إعلانات
آخر مسيحي في الشرق الأوسط
الثلاثاء - 3 آذار - 2015 - 8:02 بتوقيت دمشق
التفاصيل

يبدو السؤال مشروعا ومنطقيا وواقعيا حين يطرح: هل نحن نعيش حقبة تفريغ الشرق الأوسط من سكانه وأهله وشعبه المسيحي بالكامل؟ مع تسلسل الأحداث الهمجية بشكل موتور وجنوني لا بد من طرح هذا السؤال. الأقلية المسيحية قلقة جدا، بل مذعورة ومضطربة، ولم يعد من الممكن الاكتفاء بمقولة إن الجماعات الإرهابية التكفيرية «يقتلون من المسلمين أعدادا أكبر» لأن هذا الأمر لا ينكر وجود خطاب عدائي وتحريضي واضح ضد الأقليات المسيحية، وبناء على «أرضية» هذا الخطاب تنمو وتكبر هذه الجماعات الإرهابية، ومن ثم تتحول إلى عملها الدموي.

تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين «مشروع» كبير شاركت في إنجازه أطراف مختلفة؛ كل يقوم بأداء دور محدد، ولكن النتيجة كانت الدفع المستمر لإخراجهم من المنطقة، فبعد تأسيس الحدود الجديدة للمنطقة بعد سقوط الخلافة العثمانية ورسم خريطة «سايكس - بيكو» البريطانية - الفرنسية، وجهت الدعوة وفرش البساط الأحمر لاستقبال الآلاف من المهاجرين المسيحيين إلى القارة الأوروبية والعالم الجديد في الولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية، وعقب ذلك كان الإعلان عن قيام دولة إسرائيل الذي بموجبه بدأت إسرائيل (مع حلفائها) في تسخير كل وسائل الإغراء والدعم والعون للمسيحيين الفلسطينيين للهجرة والمغادرة، وهذا ما تم عبر عقود من الزمن حتى بات عدد الجالية المسيحية الفلسطينية في تشيلي بأميركا اللاتينية يتجاوز الثمانين ألفا، وما يسري على تشيلي يسري على غيرها من مناطق ودول في القارة الجنوبية. وطبعا كان لظهور أنظمة حكم قمعية ديكتاتورية طاغية مثل صدام حسين في العراق والأسد في سوريا، الدور المهم والكبير في بسط وهيمنة الحكم على أرزاق الناس بحجة التأميم تارة وبحجة الفساد والمشاركة في الموارد والمال تارات أخرى، والأقليات المسيحية في مجملهم أصحاب مصالح اقتصادية مميزة ولم يستطيعوا تحمل هذا النوع من الضغط والمشقة، وآثروا بسبب ذلك الهجرة والرحيل.

وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية في بلد يعتبر فيه الوجود المسيحي جزءا أساسيا وأصيلا ومهما في هوية البلد نفسه، لتكتب فعليا حدا فاصلا للأمان والتميز المسيحي فيه، ليجيء احتلال صريح واضح من نظام الأسد المجاور فقضى على الإرث المسيحي، وأهان رموز السياسة وقتلهم وشردهم وأجبرهم على الرحيل القسري وطارد أصحاب المال بالتهديد والإجبار على الشروط التي وضعها وفرضها عليهم، حتى الكنيسة المارونية لم تسلم من التدخل والتهديد والتسلط الأسدي عليها، وكانت أرقام الرحيل أبلغ دليل، وأفرغ بالتدريج لبنان من مسيحييه حتى بات اليوم يحكم من جماعة يمثلها حزب أصولي تكفيري إرهابي يقاد من بلد آخر يمنع فعليا انتخاب رئيس جديد مسيحي في بعبدا، ليجبر كل اللبنانيين على الاعتراف وقبول رئيس جديد من الضاحية!
المؤرخ اللبناني المتمكن القدير كمال ديب قالها بصريح العبارة في كتابه الجميل «وهذا الجسر العتيق»، حيث توقع بصريح العبارة أنه بحلول عام 2020 لن يتبقى أي مسيحي في لبنان، وهذه العبارة المخيفة يجب أن يستشعرها كل مسيحي في الشرق الأوسط اليوم لأن «أجراس الإنذار تقرع بقوة، وحملات الترويع مستمرة بحق المسيحيين الذين يجبرون على ترك مسقط رأس ديانتهم في الشرق الأوسط مهد السيد المسيح، فهو ولد بفلسطين وعمد بالأردن وزار مصر، وبالتالي لا يمكن إنكار وجود أصيل للمسيحيين في التاريخ العربي، بل إن قبائل وعشائر مثل المناذرة والغساسنة لها انتماء مسيحي لا يمكن الجدال فيه ولا إنكاره».

الجاليات المسيحية الموجودة في شمال أفريقيا ومصر والسودان والأردن ولبنان وسوريا والعراق والكويت والبحرين، والحاملة لجنسيات هذه الدول، يجب تسخير كل الإمكانات للحفاظ والإبقاء عليها، ليس إرضاء لصورتنا أمام الغرب، كما يردد السذج والمسطحة عقولهم، ولكن لأن الدين الإسلامي نفسه وسيرة الهادي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أمرانا بذلك، فلا يمكن أن أنكر السيرة النبوية وآخذ بآراء شاذة، كما يحصل الآن.

تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين (كما حصل وتم تفريغ اليهود من الدول العربية من قبل) ليس في مصلحة العرب ولا المسلمين، لأن فيه دليلا صريحا ودامغا وحقيقيا على عدم قدرتنا على التعايش مع الغير المخالف لديننا، وهو على عكس ما نردده ليلا ون??ارا. بقي أن نثبت ذلك بشكل جاد وعملي، وإن كنت أخشى على قدرتنا في تنفيذ ذلك الأمر، فعدم قدرتنا على التعايش كمسلمين بعضنا مع بعض سيجعل من المهمة المطلوبة المقلقة بالتعايش مع الأديان الأخرى، أشبه بالمستحيلة، إلا أنني أراهن على التاريخ غير البعيد، وقت كان ذلك كله حقيقة، والتسامح والتعايش واقعا يعيشه الناس ويحكون عنه قبل خروج «جني» التشدد والإرهاب.

حسين شبكشي -الشرق الاوسط


أضف تعليقك :
الاسم : *
التعليق : *
Keyboard لوحة مفاتيح عربية
ضع الكود الموجود بالصورة : *

أخبار أخرى من " مقالات وآراء "

11-3-2015
الأسد بمساعدة حلفائه .. يبدو أنه باق !
يبدو ان فرص نجاة بشار الاسد من الازمة السياسية سالما باتت أكبر من أي وقت مضى منذ بدئها ...


11-3-2015
سوريا .. لا حل إلا هذا الحل !
  يتحاشى الذين يروِّجون لضرورة الانفتاح على بشار الأسد ونظامه، وعددهم قليل على أيِّ حال، تذكُّر أن قرار دمشق ...


10-3-2015
هل علينا التصالح مع الأسد ؟ !
مع ارتفاع وتيرة قتال الإيرانيين وحلفائهم إلى جانب قوات نظام الأسد، وتولي الإيرانيين أيضا قيادة حروب القوات العراقية ...


8-3-2015
أضعف الإيمان .. إسقاط الدولة السورية !
تصريحات الغربيين في الخلاص من النظام السوري تبدلت. الارهاب في سورية عاود صوغ المشهد. بعض الدول الاقليمية بات ...


7-3-2015
سياسة شرق أوسطية جديدة من دون الإخوان
لم أطلع على محضر اجتماعات العاهل السعودي بالرئيسين التركي والمصري، ولكني مستعدّ لأن أجزم بأن «الإخوان المسلمين» لم ...


7-3-2015
أميركا و الخليج .. من طمأن الآخر ؟
قراءة التصريحات السعودية، على لسان وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، وتصريحات نظيره الأميركي جون كيري، حول إيران، تقول ...


7-3-2015
هل الاحتلال الداعشي حرام و الاحتلال الإيراني حلال ؟
كي لا يحاول أحد أن يصطاد في الماء العكر من مجرد قراءة عنوان المقال، سنقول: تصدوا كما تشاؤون ...


6-3-2015
هل تدعم الإمارات بقاء نظام " الأسد " في حكم سوريا ؟
ربما تكون القضية الأقل خلافا بين دول المنطقة وفي مقدمتها تركيا وقطر من جهة والسعودية والإمارات وبقية دول ...


6-3-2015
من يخشى من تغير السياسة السعودية ؟
أصبحت مسألة تغيّر السياسات السعودية حيال المشاكل التي تعاني منها منطقة الشّرق الأوسط، من أهم المسائل التي تتداولها ...


4-3-2015
مخاوف من صفقة " أميركية - إيرانية " !
أي اتفاق بين الدول الست وإيران حول ملفها النووي إذا تم رغم الصعوبات التي ما زالت موجودة بالنسبة ...


3-3-2015
سورية ولاية إيرانية ؟
بدأ نظام الملالي في إيران مدّ جذوره الطائفية نحو سورية، إذ استطاع أن يتحكّم بمفاصل حياة السوريين اليومية، ...


3-3-2015
الأزمة السورية إلى حل سياسي
رفض الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وصف موقف مصر من الأزمة السورية بالحياد. وهو قال في حواره مع «الشرق ...


3-3-2015
خياران كلاهما سهل
في الأسابيع الماضية استقبلت الرياض عددا قياسيا من زعماء العرب والعالم. سواء كانت الغاية للتعزية أو للتهنئة، لم ...


1-3-2015
فشل دي ميستورا
المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا نجح في شيء واحد فقط، زيادة غضب أغلبية الشعب السوري. بدأ ...


1-3-2015
الحل في سوريا أكبر من الأسد و خصومه
عندما أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، أخيراً، أن بشار الأسد «جزء من الحل» في سوريا، ...


1-3-2015
سوريا إيرانية .. النجاح الوحيد للنظام !
ليس بعيدا اليوم الذي تصبح فيه الأزمة السورية أزمة إيرانية أيضا. فإذا كان النظام السوري نجح إلى الآن ...